يمكنك التبرع باستخدام (أبل باي) باستخدام متصفح سفاري
الرياض - حي المروج
0554200750
يعلمنا تفسير سورة يوسف أن الحزن مهما طال، لا بد أن يعقبه الفرج، وأن الابتلاء مهما اشتد، فإن نهايته تمكين من الله لمن صبر وثبت.
فقصة يوسف عليه السلام هي خير دليل على هذه الحقيقة الإيمانية، فكلما اشتد الكرب والصعوبات كلما كان فرج الله أقرب وأعظم، ليبدّل الألم أملًا، والمحنة منحة.
معًا، نغوص في سورة يوسف وقصتها، نستخرج منها الدروس والعبر التي ترشدنا إلى الثبات عند الشدائد، وحسن الظن بالله في كل المواقف، وأن تدبير الله أعظم من تدبيرنا، وأن وراء كل محنة حكمة، ووراء كل تأخير خير كثير.
نزلت سورة يوسف على قلب النبي ﷺ في مكة بعد سورة هود، في مرحلة عصيبة من تاريخ الدعوة الإسلامية، بين عام الحزن حين ودع النبي ﷺ أعظم سنديه في الأرض عمه أبا طالب، وزوجه خديجة رضي الله عنها، وبين بيعة العقبة التي مهدت للهجرة.
كانت مكة آنذاك تضيق بالمؤمنين، وقد أحاطت بهم المحن من كل جانب، أذى، وحصار، وتكذيب، فجاءت هذه السورة المباركة لتبث الطمأنينة في قلوبهم وتبشرهم بأن الفرج بعد الضيق، والتمكين بعد الابتلاء.
السورة كلها مكية وتفتتح السورة بقوله:
الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ.
جاءت ممهدة لرؤيا يوسف عليه السلام، وجاء السياق متصلاً حتى ختام القصة للرد على شبهات المشركين ويؤكد أن القرآن وحي من الله تعالى بلسان عربي مبين.
أراد الله تعالى بهذه القصة أن يواسي نبيّه ﷺ ويثبّت قلبه، فهي حكاية نبي كريم عانى من الابتلاء منذ نعومة أظفاره، من كيد إخوته، وإلقائه في الجب، وبيعه عبدًا غريبًا، وفتنة امرأة العزيز ومكر النسوة، السجن ظلمًا، وصولاً إلى أمانة الحكم وإدارة أرزاق الناس في زمن المجاعة.
وفي كل موقف، ظل يوسف عليه السلام ثابتًا على التوحيد، صابرًا على البلاء، داعيًا إلى الله في قصور الملوك كما دعا في ظلمات السجون، حتى أكرمه الله بالتمكين من حيث لا يحتسب.
هذه القصة جاءت رسالة للنبي ﷺ وأصحابه، أن طريق الدعوة محفوف بالمصاعب، لكن عاقبته النصر. وفيها إيحاء بالهجرة، فكما كان خروج يوسف من أرضه بداية مجده، سيكون خروج النبي ﷺ من مكة بداية تمكينه في المدينة.
تميزت قصة يوسف عليه السلام بأنها وردت كاملة في سورة واحدة، تبدأ بالرؤيا وتنتهي بتأويلها، في تسلسل محكم وأحداث متصلة، بخلاف بقية القصص القرآني التي تتوزع على سور متعددة.
وهذا دليل على إحكام البيان الإلهي، ودقة النسق القرآني في عرض الأحداث بما يخدم المقصد التربوي والروحي للقصة، ويجعل أثرها أعمق في النفوس، حيث تتتابع المشاهد بلا انقطاع، فيرى القارئ كيف تتجلى حكمة الله وتدبيره في كل مرحلة من مراحل الابتلاء والتمكين.
وفي النهاية، تختتم السورة بتذكير بسنة الله تعالى في الدعوة، أن الرسل يبتلون حتى تكاد القلوب تظن أن النصر بعيد، فإذا هو يأتي فجأة بفضل الله.
وفي ذلك بشارة للمؤمنين في مكة، أن الشدة لن تدوم، وأن فرج الله آتٍ لا محالة، وأن العاقبة للمتقين.
من إبداع القرآن الكريم، أنه عندما تتناول تفسير سورة يوسف ستجد أنها تتناول قصة النبي يوسف عليه السلام، في شكل قصة متكاملة ومترابطة تدور حول مجموعة من الأحداث التي شكلت حياة يوسف، بدءًا من طفولته وصولًا إلى أن أصبح عزيز مصر.
بداية القصة: رؤيا يوسف وكيد الإخوة
تبدأ القصة برؤيا رآها يوسف في صغره، حيث رأى أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر يسجدون له.
عندما قص الرؤيا على أبيه يعقوب عليه السلام، أدرك يعقوب أنها تحمل بشارة عظيمة لمستقبل يوسف، ونصحه ألا يخبر إخوته بها خوفًا من كيدهم وحسدهم.
لكن الحسد كان قد تملك قلوب إخوته، فشعروا أن أباهم يفضل يوسف عليهم، فقرروا التخلص منه، واتفقوا على أن يلقوه في بئر عميقة ليلتقطه بعض المسافرين، ثم عادوا إلى أبيهم يبكون بقميص يوسف ملطخ بدم كاذب، مدعين أن الذئب أكله.
ورغم حزن يعقوب الشديد، إلا أنه لم يصدقهم، وآمن أن يوسف ما زال حيًا، فصبر صبرًا جميلًا.
يوسف في مصر و ابتلاءاته
بعد أن ألقي يوسف في البئر، التقطته قافلة مسافرة وباعته كعبد في مصر.
اشتراه عزيز مصر (الوزير)، الذي أوصى زوجته بأن تكرم مقامه، وعندما كبر يوسف واشتد عوده، تعرض لابتلاء عظيم من امرأة العزيز التي حاولت إغواءه.
لكن يوسف رفض رفضًا قاطعًا، مستعيذًا بالله من الوقوع في المعصية.
ولما لم يتمكن يوسف من تلبية رغبتها، اتهمته كذبًا بمحاولة الاعتداء عليها.
ومع ظهور الادلة على براءته (حيث كان قميصه ممزقًا من الخلف)، قرر العزيز أن يسجنه لتجنب الفضيحة.
يوسف في السجن وتفسيره للرؤى
في السجن، التقى يوسف بفتيين، وفسّر لهما رؤياهما بعد أن دعاهما إلى عبادة الله الواحد القهار.
وأخبر أحدهما أنه سينجو من السجن ويخدم الملك، بينما الآخر سيُصلب.
وطلب يوسف من الناجي أن يذكره عند الملك، لكن الشيطان أنساه، فبقي يوسف في السجن بضع سنين أخرى.
بعد سنوات، رأى الملك رؤيا أزعجته، حيث رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخرى يابسات.
وقتها عجز جميع المفسرين عن تأويلها حينها تذكر الرجل الذي كان مع يوسف في السجن قدرته على تفسير الرؤى، فأخبر الملك عن يوسف.
التمكين وملك مصر
بعد أن فسر يوسف رؤيا الملك، أثبت براءته من تهمة امرأة العزيز، وخرج من السجن ليتولى منصبًا رفيعًا في إدارة شؤون البلاد، حيث قال للملك: "اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ".
ومع حلول سنوات القحط، جاء إخوة يوسف إلى مصر لجلب المؤن، ولم يتعرفوا عليه في البداية.
تعامل معهم يوسف بحكمة، وكشف لهم في النهاية عن نفسه.
عندها، اعترفوا بخطئهم وطلبوا منه المسامحة.
وتختتم قصة يوسف بلم شمل يوسف بأبويه وإخوته، وتحقق الرؤيا التي رآها في صغره.
وهنا يظهر لنا القرآن الكريم أن الصبر على الابتلاء والتوكل على الله يؤديان إلى النصر والفرج بعد الشدة.
توضح الآية الكريمة في سورة يوسف: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24]
لقد اختلفت العلماء عند تفسير سورة يوسف حول معنى "همّ بها"، ويمكن تلخيصها في رأيين رئيسيين:
الهمّ مجرد خاطر عابر:
هذا الرأي يرى أن "همّت به" تعني أن امرأة العزيز كانت مصممة على فعل المعصية، أما "همّ بها"، فيُفسر على أنه مجرد ميل بشري طبيعي أو خاطر مر بقلب يوسف، لكنه لم يتحول إلى نية أو عزم على الفعل.
هذا التفسير يُظهر قوة يوسف في مقاومته لهذا الخاطر، لأنه بمجرد أن رأى برهان ربه (أي تذكرة إلهية أو علامة من الله)، تراجع عن هذا الخاطر وانتصر على نفسه.
الهمّ لم يقع أصلًا:
يرى هذا التفسير أن "همّ بها" لم يكن همًّا بالمعصية من الأساس، بل كان همًّا بالفرار أو ردعها.
فآية "لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ" تُشير إلى أن الهمّ لم يتحقق بسبب البرهان الإلهي.
أي أن يوسف عليه السلام لم يهمّ بها، لأنه لو فعل، لكان ذلك يتعارض مع مقام الأنبياء.
هذا الرأي يرى أن الآية تثبت أن الهمّ بالمعصية لم يقع من يوسف عليه السلام بفضل عصمة الله له.
في جميع الأحوال، تُظهر الآية أن يوسف عليه السلام كان من "عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ"، أي الذين اختارهم الله وطهرهم من الفحشاء.
وقد صرف الله عنه السوء ببرهان من عنده، ليكون قدوة للمؤمنين في مقاومة الفتن واللجوء إلى الله في الشدائد.
1. الصبر على البلاء والفرج بعد الشدة
من أهم الدروس المستفادة من تفسير سورة يوسف أن الابتلاء هو سنة الحياة، وأن الصبر الجميل هو مفتاح الفرج والتمكين.
قصة يوسف، التي تبدأ بالبئر، ثم العبودية، فالسجن، وتنتهي بالملك، هي خير دليل على أن الله لا يضيع أجر الصابرين.
2. تدبير الله الخفي
ترمز السورة إلى أن تدبير الله غالب على أمره، حتى لو بدت الأمور في ظاهرها شرًا.
فكل خطوة مؤلمة في حياة يوسف، كانت جزءًا من خطة إلهية محكمة انتهت بتحقيق رؤياه وتمكينه في الأرض.
هذا يُعلمنا أن نثق بحكمة الله، حتى وإن لم نفهمها في حينها.
3. العفو والصفح عند المقدرة
تُظهر قصة يوسف قيمة العفو والتسامح، فبعد كل ما عاناه من إخوته، لم يستغل يوسف سلطته للانتقام، بل قابل إساءتهم بالعفو والصفح، قائلاً: "لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ".
4. الإيمان واليقين بالله
قوة اليقين بالله وعدم اليأس من رحمته، فيعقوب عليه السلام، رغم فقده لابنه وبصره، لم ييأس من رحمة الله، وظل قلبه متعلقًا بالأمل، وهو ما علمه لأبنائه عندما قال: "وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ".
سورة يوسف من أكثر السور التي نحرص في جمعية "تعلم" على تدريسها لطلابنا، لأن هدفنا لا يقتصر على الشرح والحفظ، بل يتعداه إلى غرس قيم راسخة في نفوسهم.
من خلال تفسير سورة يوسف، نعلم طلابنا الصبر في مواجهة الشدائد، والثقة التامة في تدبير الله، ونربط أحداث القصة بواقع حياتهم اليومية.
مع مشروع وقف النور القرآني أحد مشاريعنا الرائدة في تعلم، لانكتفي بتعليم أبنائنا سورة يوسف فقط! بل نسعى لبناء جيل يفهم كل معاني القرآن ويتعلمه ويعمل به اقتداءٍ بالرسل والانبياء والصالحين.
ندرك أهمية علم التفسير ونقدم لهم:
شرحًا مُيسرًا للقرآن الكريم بلغة سهلة ومناسبة لجميع الأعمار، حتى يتمكن الطلاب من فهم الرسائل الإلهية وتطبيقها في حياتهم اليومية.
ربط الآيات بالسلوكيات والأخلاق والدروس المستفادة من كل قصة أو آية.
استخدام أساليب تعليمية حديثة ومبتكرة لجعل دراسة التفسير تجربة ممتعة و راسخة في الأذهان، وليكون القرآن الكريم رفيقًا دائمًا لهم.
شارك بسهم مع جمعية تعلم الآن، وأكفل حلقة قرآنية وكن سببًا في تعليم القرآن الكريم للآلاف من أبنائنا في كل مكان.